محمد بن أحمد الشاذلي ( ابن زغدان )
26
قوانين حكم الاشراق إلى كافة الصوفية بجميع الآفاق
تحذير : إياك والفترة والكسل ؛ فإنهما من دواعي الملل ، إخوة اللؤم من صحبهم وقف به السير عن كل ما يرومه من ربح وخير . تقرير : لو لم يكن من فضيلة التوبة إلا أنها تنجي صاحبها من مهامه المهالك ، وتقرّبه بعد بعده من الرب المالك ؛ وإلا لكان من الهالكين ببعده عن رب العالمين . تحذير : إياك وما تعتذر منه كفى البريء طيب الثناء قرة العين بالطمأنينة والهناء . أما يكفي العاقل من التنفير ما يتلى عليه من أنواع التقرير ؟ تقرير : شتان بين توبة محب مشتاق ، وبين من تاب للخوف والإشفاق . الأول : هاجه الشوق لشهود الجمال ، والثاني : حذّره الخوف سطوة الجلال « 1 » . تحذير : إياك أيها النجيب الحاذق اللبيب أن تجعل توبتك سببا لحصول مناك ، بل اجعلها عبودية لمولاك ، فتكون من الخواص أرباب التحقق والإخلاص . تقرير : كان بعضهم لا يسأل التوبة ، ولكن يسأل شهرة التوبة ؛ ليجد باعث العزم ، وذلك أولى وأحق بالحزم . تحذير : إياك أن تزعم أنه حصل لك مقام التوبة ، وأنت باق على شهواتك مستغرق الأوقات في عاداتك ، هيهات هيهات لوجدان العزم علامات . تقرير : مقام التوبة لم يخرج صاحبه عن البداية ؛ لذلك شغل بتعب المجاهدة ، والنهاية لذة بأنواع المشاهدة ، وإن شئت قلت البداية إماطة طبع وتطهر ، والنهاية ملكة
--> ( 1 ) إن الجلال حضرة لائقة بالمشاهدة لأنه اسم ظهر اللّه به مخصوصا بالثنوية وهو تمكين اسم الجميل فتظهر عليه صفة في حال الناظر والمنظور ليحصل له هيبة وخشوع مع محبة فالجميل للمحبة ، فلما رفع المحب إلى مقام أعلى من موطن المحبة الذي هو الظاهر . فازداد الاسم صلة بغير زوال عينه ، ولما كانت هذه الصفة لائقة بالمشاهدة وهي الجلال خرج الشاهد في شهوده من مقام إلى مقام لأنه لا يتغير عليه صفة إلا بخروجه من محله في شهود واحد ، فالجلال مختصة باللّه دون الجميل وغيره لكونها تنشأ عن التعظيم وكل تعظيم ناشئ عن عظمة اللّه تعالى ، وإذا حصل للشاهد شهودا في خلع واحد يكون هذا الشهود أشد تمكينا من الشهود الواحد ، والتمكين عبارة عن الاستعلاء لكن الاستعلاء على ضربين : استعلاء وصف واستعلاء معنى ، فالعارف الكامل له استعلاء الوصف ويتعالى عن استعلاء المعنى إذ استعلاء المعنى هو على بني الجنس بشرط الاستقلال لجهة دون جهة ، والعارف لا جنس له ولا حصر فيحل عن هذا المقام المعنوي ، ولما كان هذا العارف متصفا بالاستعلاء اتصافا فأخرج من مقام الشهود إلى مقام الجلال .